الاثنين، 30 مايو، 2016

شرح قصيدة عزة النفس للقاضي الجرجاني



1- يقولونَ لِي : فيكَ انقباضٌ [1]، وإنَّما *** رَأوْا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحجما
2- أرى الناسَ مَنْ داناهُم[2]هانَ عندَهُمْ *** وَمَنْ أكْرَمَتْهُ عزةُ النفسِ أكْرِما
3- وَلَمْ أقْضِ حَقَّ العِلْمِ إنْ كانَ كُلَّما *** بدا طمعٌ صَيَّرْتُهُ [3] لِيَ سُلَّما
4- إذا قيلَ : هذا مَوْرِدٌ ، قُلْتُ : قَدْ أرِى *** وَلكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما
5- وَلَمْ أبْتَذِلْ في خِدْمَةِ العلمِ مُهجَتِي *** لأخْدِمَ مَنْ لاقيتُ ، لكنْ لأُخْدَما
6- أأشقَى بِهِ غَرْساً ، وَأجنيهِ ذِلَّةً ؟ ! *** إذاً ، فاتِّباعُ الجَهْلِ قَدْ كانَ أحْزَما
7- وَلوْ أنَّ أهْلَ العِلمِ صانُوهُ صانهُمْ *** وَلَوْ عظَّموه في النفوس لَعُظِّما
8- ولكن أهـانوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا *** مُحَيَّاهُ [4] بالأطماعِ حتى تَجَهَّما



معنى الأبيات

1- يتعجب الشاعر من اتهام الناس له بالعزلة والبعد عن الناس وعدم الانخراط فيما بينهم ، مع أن ابتعاده لم يكن إلا عما يورث نفسه الذل .
2- اتخذت هذا الموقف لأنني رأيت أن كل من رضي بكل ما عليه الناس فدخل معهم ووافقهم على كثير مما هم عليه تهون نفسه عندهم ، ومن كان عنده عزة نفس تبعده عن مواطن الشبهة أكرمه الناس .
3- والذي يدفع كثير من العلماء إلى مجاراة الناس هو المطامع المادية ، وهي لا تنتهي ولا أستطيع قضاء حق العلم إذا كنت كلما لاح مطمع من هذه المطامع جعلته سلّماً لنفسي .
4- لذلك ، تجاهلت هذه المطامع المُذلِّة التي تتنافى مع شرف العلم ، فإذا أشار لي مشير إلى أحد هذه الموارد قلت له : إنني أرى ما ترى ، ولكن يمنعني من الورود نفس حرة تصبر على العطش وتتحمله .
5- إن كثيراً من هذه المطامع تؤدي إلى خدمة من لا يستحق الخدمة ، وإلى مداراة أصحاب الدنيا وتسخير العلم لمصالحهم ، مع أني لم أتعلم إلا من أجل إكرام نفسي لا إهانتها بذلك .
6- هل أشقي نفسي في طلب العلم ، لأجني لنفسي الذل ؟ مادام الأمر كذلك فالبقاء على الجهل كان أفضل من العلم الذي يكون سبباً في هوان صاحبه .
7- لو أن العلماء حفظوا علمهم ، وترفعوا به عما لا يليق لحفظهم ، ولكان ذلك سبباً في صيانتهم ومعرفة الناس حقهم ، ولو نظروا إلى العلم نظرة إعظام وإكبار لكان عظيماً وكبيراً في أعين الناس .
8- ولكن الواقع أن كثيراً من العلماء أهان العلم بتصرفاته ، فهان العلم في نظر الناس وحسبوا أن العلماء كلهم على هذه الشاكلة ، وأصبح العلم وبالاً على العلماء ومصدر شقاء لهم ، حتى ليكاد كثير منهم أن يتمنى لو لم يتعلم .

في جو الأبيات

هذه أبيات تقف شامخة -بعددها القليل- على امتداد الشعر العربي كله ، بل إنها لتكاد تكون كذلك في الأدب العالمي ، من حيث بساطة التعبير وصدقه ، ومن حيث جمال الأسلوب وترفعه . وقائلها هو القاضي أبو الحسن ،علي بن عبد العزيز الجرجاني ، قاضي الريَّ المتوفى سنة 392 هـ ، وكان عالماً ، أقرَّ له الناس بالتفرد ، وكان إلى ذلك شاعراً محسناً ، وناقداً دقيقاً ، وكتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه) من أشهر كتب النقد في الأدب العربي ، وهو مطبوع .

وهي أبيات تظل جديدة ، لأنها لصيقة بموضوع حيّ ، وقضية مصيرية ، وهي علاقة العالم بغيره من الناس ، سواءً ارتفعوا أو سَفلوا .

وسبب آخر يجعلها جديدة دائماً ، وهو ما يراه الإنسان في كل عصر من تهاون بعض العلماء وتهالكهم على أقدام أصحاب الدنيا ، ودوسهم المعاني الشريفة التي يقتضيها العلم .

إن الشاعر -هنا- صاحب قضية ، ذو شخصية واضحة قوية ، رسم حدودها بهذه الأبيات القليلة ، التي تقارب غرض (الفخر) ، ولكنها ما تلبث أن تنأى عما تواطأ عليه أصحاب الفخر التقليدي من الشعراء ، من موضوعات يغلب عليها الادعاء والتطاول .

وبروز شخصية القاضي في هذه الأبيات لم يؤثر على شاعريتها القوية ، فالحِجاج بالدليل والبرهان أضاف إلى جمالها قوة ، وأعطانا حقيقة مفادها : أنه ليس صحيحاً بإطلاق أن شعر العلماء يكون متكلفاً يفتقر إلى الشاعرية الأصيلة .

إن الشاعر يقدم في أبياته (مرافعة) جامعة عن نفسه ، ويدافع دفاعاً فذاً عن قدسية العلم التي وضع تحت وطأة المطامع والزلفى ممن لا يستحق .

هاهم بعض الناس يضيقون ذرعاً بعدم خوضه في غمار الناس ، فيلصقون به تهمة الانقباض والانعزال ، وهى تهمة قاسية ، قد تلقى ظلالاً على شخصية العالم في نظرهم فيسارع إلى تخطئة من اتهمه بذلك ، وتوجيه مابدا من انقباضه التوجيه الصحيح ، فما حسبه هؤلاء انقباضاً ليس على إطلاقه ، وإنما هو بعد عن مواقف الذل ، ومواطن الهوان .

والذي دعا الشاعر إلى هذا الموقف هو رصيد التجارب المتراكمة ، التي علمته أن الناس يستهينون بمن يخوض معهم كل مخاض ، في جدهم وهزلهم ، ويوقرون من يقترب منهم بقَدَر ، ويخاطبهم بحساب .

ولعلنا نلحظ أن هؤلاء المنتقدين يعيبون على الرجل نوعاً من الابتعاد بعينه ، فيرد عليهم قائلاً : إن للعلم حقوقاً ، ومن أظهر هذه الحقوق صيانته عن المطامع ، والبعد عن التزلف والترفع به عما لا يليق بحملته ، وإذا ما تورطتُ مع من دَلَفَ إلى أبواب أهل الدنيا ، ابتغاء ما يتساقط من موائدهم من فتات ؛ أكون قد أهدرت حق العلم وخنت الأمانة .

ويبدو أن الشاعر لم ينأ بنفسه عن هذه المواطن لأنه ليس بحاجة إليها ؛ بل هو محتاج إلى ذلك ، ولكنها نفس حرة ، ترى الموارد مُشْرَعَةً ، ولكنها تلمح من وراء هذه الموارد هواناً ومِنَّة ، وضعة وصغاراً ، وإنفاقاً لشيء ثمين في سوق رخيصة ، فتتسلح بالصبر على الظمأ ، يدفعها إلى ذلك إرادة قوية ، وشخصية متماسكة ، وهذا معنى يُنْظَرُ فيه إلى بيتّي عنترة السائِرَين :
لا تسقني ماءَ الحياة بذلةٍ *** بل فاسقني بالعز كأسَ الحنظلِ
ماءُ الحياةِ بذلةٍ ، كجهَنمٍ *** وجهنمٌ بالعز أطيبُ منزلِ


ثم يلفت الشاعر نظر الذين ينكرون عليه موقفه ، من دهماء الناس ، أو من أدعياء العلم ، الذين يغرهم بريق المناصب عن الحق ، ويغرقون أنفسهم في حمأة التَّرَخُّص والتأويل فيقول : لم أتعب عقلي ، وأجهد نفسي في طلب العلم من أجل أن أذلها في خدمة من لا يستحق الخدمة طلباً لمال ، أو حرصاً على جاه أو منصب ؛ وإنما جهدت في طلب العلم ليخدمني هؤلاء الذين يراهم كثير من الناس في مقام من يستحق الخدمة بينما أرى أن مرتبة العلم لا تدانيها مرتبة أبداً . وهذا إبراهيم بن أدهم يقول في ذلك : (لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف) ، يعني : العلم والتلذذ به .

ثم يجسد الشاعر القضية تجسيداً بدهياً واضحاً فيقول : أأجهد نفسي وأتعبها في تحصيل, العلم -كمن يتعب في إنفاق الجهد الجهيد على غراس ، حتى إذا حان إثمار هذه الغراس اجتنى منها ثمر الذل ؟ ! لاشك أن من يعمل لتكون نتيجة عمله هذه النتيجة إنسان أخرق ، وإن عيشاً في ظلال الجهل خير من علم يورث الذل ويكون وبالاً على صاحبه .

وإن ما نرى من هوان العلم والعلماء ، (وهذه القضية بدأت من قديم ، ثم زادها الزمن ترسخاً ووضوحاً إلى يومنا هذا) ونظرِ الآخرين إليهم نظرة ازدراء ، سببه نابع من نفوس هؤلاء العلماء الذين لم يصونوا العلم ، ولم يحفظوه عن أن يهان ويتمرغ على أعتاب أصحاب الدنيا ، فلو اعتقد هؤلاء العلماء شرفَ العلم ، وعظمَتَهُ في نفوسهم ؛ لعظّموه في واقع حياتهم ، ولكنهم وضعوه في غير موضعه ، واستهدفوا به ما رخص من الأغراض ، وما قرب من الغايات ، وسخّروه من أجل الدنيا ، فهان في نظر الناس ، ممن لا يعرف للعلم حقيقة ؛ فأهانوا حَمَلَتَهُ ، وعدّوهم من سَقَطِ المتاع .

وبعد ، فهذه أبيات القاضي الجرجاني ، تقف معْلَمَةً بارزة في أدبنا العربي ، بصدقها وجلالها وعظمة موضوعها ، وما أجدر طلبة العلم ، بُلْهَ العلماء ، أن يتخذوها دليلاً لهم في حياتهم ، وخلال علاقتهم بالناس ، لأنها نفحة من الأدب الخالد الذي استظل بظل 
مفاهيم الإسلام العظيمة .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- منصور الأحمد ـ مجلة البيان العدد : ( 2 ) بتصرف يسير
(1) انقباض : انزواء ، وابتعاد عن الناس ، أحجم : توقف ولم يتورط ..
(2) داناهم : اقترب منهم وخالطهم دون تحفظ ..
(3) صيرته : جعلته .
(4) محياه : وجهه ، تجَهَّم : أصبح مشوهاً عبوساً غير جميل ..

الاثنين، 11 يناير، 2016

حكاية قريتين


يحكى انه كان في بعض الانحاء عائلتان من القردة تعيشان بسلام : احدهما تقطن شرق الغابة ,الاخرى في غربها ، كانت كل القردة من العائلتين تتمتع بهواء الغابة العليل والشمس المشرقة وتبك لقطف الموز وتسلق اشجار جوز الهند برشاقة قل نظيرها ، كان الأمن مستتبا والصداقة قائمة بين الطرفين ، ولكن هناك خلاف بسيط فالقرود في الجهة الشرقية من الغابة يكسرون البيضة من طرفها الرفيع اما القرود في الجهة للغربية فيكسرونها من طرفها العريض كما كان بعض الناس في حكايات جيلفر

والامر كان عاديا جدا وليس بذي اهمية حتى جاء بائع متجول واخذ يؤلف الحكايات وينقل الكلام بان القرود في الجهة الشرقية تنتقد وتتهكم على طريقة القرود في الجهة الغربية في كسر البيض ، وحين كان يذهب لقرود في الجهة الشرقية كان يريهم صورا مفبركة صورها لقرود الجهة الغربية وهم يرقصون ويشربون الخمر وقال بانهم يشتمونهم ويتهددونهم ويفكرون بغزو ارضهم ، فصدقوا كلامه .
شحن البائع المتجول نفوس كل قرية ضد الاخرى حتى كبرت البغضاء وتضخمت الكراهية وتهدد كل منهما الاخر بالويل والثبور وعظائم الأمور .
وتم الاقتتال ، وحين كانت احدى القريتين تظفر بقرد من القرية الاخرى كانت توسعه ضربا وتعذيبا حتى يموت ،
واستمرت الحال والبائع الخبيث يزداد في شحن النفوس بالكراهية والاغبياء يصدقونه ، كان ياتي بصور قديمة او لقرود من قرى اخرى تساعده في زرع الكره أكثر وأكثر بين القريتين
تطور به الامر فدفع مالا لقرود كسولة جاهلة مشردة ليس لها أي انتماء لأية عائلة وتفعل اي شيء مقابل المال لتدلي بتصريحات تفيض بالكراهية للقرية الاخرى وقام بنشر تلك التصريحات ،، اشترى التاجر فؤوسا وعصيا كثيرة باعها لقرود القريتين ليقتلوا بعضهم بعضا مستغلا غباءهم ، اصبح التاجر ثريا جدا جدا بعد ان امتلك كل اموال وخيرات القريتين .
وبعد سنوات خلت المنطقة من عائلتي القردة في المنطقتين بعد ان ماتواعن بكرة أبيهم بسبب الحرب وأصابهم الفناء ،
امتلك البائع المتجول الارض الفارغة من سكانها وقام ببيعها لعشيرة من الثعالب كانت مشردة لا مكان لها بثمن خيالي حتى غدا أغنى شخص على وجه الأرض .
لا عزاء للقرود في كل زمان ومكان

الأحد، 11 أكتوبر، 2015

قوسية البرج أنا




وكثيرا ما يناديني ذلك الصائد الذي يرسمونه يحمل قوسه وكنانة سهامه.
لم يناديني؟!
 لقد تعب من الوقوف والترقب ويريد أن يرتاح قليلا
ناداني ذات مرة فأمسكت بالقوس والسهام ، وأخذت أرشق سهامي المجنونة كيفما اتفق،  إلى النجوم إلى الغيوم وإلى الزرع والضرع
أمس الأول رميت ظبيا كان يتنزه في جنائن قصائدك ، فعبقت رائحة المسك والورد والياسمين
تعال أنت وأرحني فقد طالت غيبة رجل القوس