الأحد، 17 أبريل، 2011

في الغابة



تسللت على أطراف أصابعي من قصيدة جاهلية وجئتكم

أنا أخت الشنفرى سبقته للبرية ، ولكنهم أخفوا أمر هروبي لأني امراة ؛خافوا الفضيحة وخافوا أن تعايرهم قبائل العرب ، ونسوا أن للمراة عقل وروح كما للرجل، وأنها قد تهرب من مجتمع فاسد ،تهرب الى برية ليس فيها إلا الوحوش، لأن الوحوش الآدمية أقسى وأخطر، تفر كفرار المجذوم من الأسد

كان ذلك في الجاهلية

وحين أضاء النور جنبات مكة والمدينة ثم عم وانتشر
 وجاء الدين الحنيف ليساوي في العقوبة بيني وبين أخي ،ولم يعطه الحق أن يعاقبني بيده ولا أن يدفنني وأنا وليدة ،ووعدنا أنا وإياه بجنة عرضها السموات والأرض إن نحن التزمنا بتعاليمه السماوية

ولكني عدت إليكم متسللة من بطن كتاب، ووجدتكم في جاهلية جديدة، فهربت مرة أخرى إلى الغابة

قلب غابة تزهو باشجارها وبالبساط الاخضر وشجيرات القيقب تتقشر سيقانها لتطلع ألوانا بحجم الكون، غير أشجار البلوط والسنديان والسرو والأرز

كنت جالسة أخبز لياكل الجميع أنا وبعض الطيور

و بطون الطير صغيرة وهي تغدو خِماصا وتروح بِطانا بأمر الله

كنت متلثمة لأتقي لفح النار

تقترب العصافير وتأكل وتنصرف مزقزقة تستحم بأشعة الشمس ، وتصفق طربا كلما لاح لها حدث سعيد

اقترب غراب أسود في إحدى الصباحات الصيفية المشرقة من المرأة التي هي أنا

نعق الغراب : أيتها المرأة إنَ خبزك سيء جداً

سكتت المرأة، وقالت لنفسها : لن أرد عليه.

وفي البركة القريبة هناك البط البري وطيور الأوز تسبح ،وطيور الحجل وأبو قردان تشرب وتغتسل، وليس بعيدا طيور تجمع القش لتبني أعشاشها

كلهم سعداء إلا ذلك الغراب الذي يفتعل المشاكل مع الطيور؛ تارة يخطف الطعام أو القش ، وتارة يعاير أحد الطيور بضعفه، وتارة ، و….
 نعق الغراب : أنتِ لست امراة ، هيه أيتها المرأة ، أنت رجل وتتقنعين حتى لا يكشفك أحد
 كشفت المرأة وجهها حتى يراه الغراب
 لكن الطبع غلب التطبع، ولم يأل الغراب جهدا في مضايقة المرأة ورفقائها العصافير
 انصرفت المرأة مصطحبة معها كلبها إلى تلك العين التي وصفتها لها الطيور المهاجرة ، و العصافير تطير فوق رأسها كأنها تحرسها

بتنورتها الغجرية وقميصها الابيض وثمة شريط مخملي بلون السماء يزين شعرها الكستنائي المموج
 وصلت لعين الماء التي كان خيطها يتسلل من بطن الهضبة ، هناك تشكل حوض مائي جميل تحوطه أعشاب مائية غريبة لها أزهار زرقاء قمرية ونباتات من القصب

تحدثت المرأة وقالت : انظري أيتها الطيورإلى ماء النبع المنساب
 ، أنه يشبه حياتي، حياتي كقربة ماء فوق منحدر صخري فك وكاؤها ، فأخذ الماء يتسلل منها رويدا رويدا دون أن أشعر
 ومن قطرات الماء المنسابة على كتف الهضبة ،وفي الجرف الترابي نمت أزهار خرافية الجمال ،منها أزهار بيلسان بيضاء صغيرة

تمرأت في الحوض المائي فرأت وجهها والعسل يتصبب منه
 فتذكرت أسطورة نرسيس فابتعدت
 لحقها الغراب

صاح بها: أنتِ قبيحة

قالت لأجرب أن أعالجه بالمحبة ، فبالمحبة نقدر على وأد الكره

فاقتربت منه وقالت بحنو:
 وأنت أيها الغراب أجمل الطيور
 أنت أمير الطيور أيها الغراب

قالتها بصوت عال حتى سمعتها كل الغابة
 وعادت محملة بماء صافٍ
 والكلب يحرسها
 ومنذ ذلك اليوم اختفى الغراب