الأربعاء، 29 يونيو 2011

الرداء الأحمر المستعار



طلبت طفلتي رداء أحمر يشبه رداء ليلى في قصة ليلى والذئب
اشتريت قماشا وفصلت لها ما أرادت.
وحين رأته الفأرة الصغيرة-التي تسكن جوارنا وتزورنا دائما لتلعب مع طفلتي -أعجبها جدا
وظلت تلح علينا باستعارته وقالت:
أرجوكم أريد ان ألبسه ليوم واحد عندي زيارة للملاهي وأريد أن أبدو أنيقة
أرجوكم فقط ليوم واحد.

عارية مسترده وسأعيده لكم كما هو جديدا،
ثم أضافت : أه لو كان والدي الفأر يعمل بوظيفة تدر دخلا جيدا لاشترى لي مثله.


أشفقنا عليها أنا وطفلتي
قالت طفلتي: خذيه والبسيه ، ولكن تذكري لي
س هناك مثيل له في السوق، وأنا لم ألبسه بعد، وقد انتظرته طويلا
ونحن لسنا بأحسن حالا منكم.

خرجت الفأرة من عندنا تحمل الرداء وهي تكاد تقفز فرحا.
مر يو تلو يوم
ولم تُعد الفأرة الرداء الأحمر.
وحين تذهب طفلتي لسؤال والدتها تخبرها بأن ابنتها ذهبت في نزهة أو زيارة

مر شهر كامل وطفلتي تريد أن تلبس رداءها الجديد
ولكن دون فائدة!!
فالفأرة الصغيرة لا تجلس في المنزل بل تستمر في غدواتها وروحاتها
وذات صباح ذهبت طفلتي باكرا قبل خروج الفأرة الصغيرة
وفي هذه المرة استطاعت استرجاع ردائها
من نافذة بيتهم أطلت الفأرة الصغيرة وقالت لطفلتي القمرية وهي خارجة:

أيتها الطفلة القمرية حافظي على الرداء فأنا أريد لبسه بعد يومين عندي زيارة.

أطلَ طفل صغير رأسه من نافذة بيته وقال لطفلتي:

ألا تخجلين من نفسك، طفلة قمرية وتستعيرين ملابس الفأرة؟!!!
بكت طفلتي وألقت الرداء جانبا في الطريق فنزلت الفأرة وأخذته وأصبح ملكها.

بعد أيام جاءت الفأرة إلى بيتنا وبيدها كتاب ، قالت لي:
أيتها القمرية أرجو أن تشرحي لي بيت الشعر التالي فهو واجب لمادة اللغة العربية:
إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

قلت لها اذهبي أيتها الفأرة فالقمرية لا تتقن الشرح.

الاثنين، 20 يونيو 2011

الزيارة الرابعة لبيت عمتي



هذه الحلقة مهداة الى الطفلة رهف الشربيني مع محبتي

**********

في عطلة نهاية الفصل الصيفي حزمت حقائبي وأخدت إجازة اسبوعين لزيارة عمتي فقد أبلغني زوجها بأنها تعاني من الام في الظهر

كان الصيف يلوح مودعا والخريف بدأت بشائره على الأفق والطبيعة ، والجو بدأيعتدل قليلاً وقد فوجئت بمجيء أرنوبة إلى هناك ولكنها لم تكن وحدها هذه المرة كان برفقتها أختها الصغيرة أخبرتني أن والديها قد سافرا للعمل في إحدى دول الجوار الغنية وتركاهما عند جدتهما العجوز وبعد أيام ستفتح المدار س أبوابها وستلتحق الصغيرتان بالمدرسة القريبة







في البداية لم ألعب كثيرا مع أرنوبة ؛ كانت عمتي بحاجتي مع أن لديها خادمة ترعى شؤونها ،ولكن كان علي الجلوس بجانبها لتسليتها وكانت أرنوبة وجدتها وشقيقتها تأتيان أيضا وكنا نتحدث كثيراً في شؤون مختلفة، أما زوج عمتي فقد كان يجلس ليقرأ الصحيفة والمجلات التي تتحدث في شؤون السياسة
تركناهم يتحدثون وانصرفنا ثلاثتنا للعب فلم نحب أحاديث السياسة أبدا


تجولنا في القرية كانت أوراق الخريف تتساقط بلونها المحمر والبني، كان بساطا من الأوراق يخشخش تحت أقدامنا ونحن نتراكض وفي الافق ثمة سحب بيضاء ناصعة
قطفنا الكثير من العنب من مزرعة بيت عمتي
عناقيد العنب ببريقها الأخاذ تخجل منها اللآليء ، ولعبنا لعبة الحبل تمسك اثنتان الحبل لتقفز واحدة منا وبالدور
ثم زرنا البحيرة التي كانت محاطة بالشجيرات الساحرة من العناب وهناك أزهار بدت على سطح البحيرة بيضاء اللون وزرقاء ,كان مع أرنوبة قاربا صغيرا صنعته من الورق ، قالت: تخيلي يا قمرية لو أبحرنا أنا وأنت بهذا القارب ، أما شقيقتي فلا متسع لها لذا سنعطيها حبة حلوى كبيرة بدلا من ذلك.





سمعتنا الصغيرة فتخيلت أن الأمر جد فأخذت تصرخ بصوتٍ عالٍ ؛ فشدتها أرنوبة من أذنها فأخذ صوتها يعلو فعدنا أدارجنا إلى المنزل.
كان صوت الهاتف الأرضي يرن أمسكت السماعة لأرد ؛كان ابن عمتي أحمد الذي هاجر إلى كندا قبل سنوات
ناولت السماعه لعمتي التي سالت دموعها وتحشرج صوتها وهي تحدثه ، وبعد انتهاء المكالمة قالت: يا قمرية ناوليني ذلك الصندوق ففيه البومات الصور لأريك صور حفيدي . ناولتها الصندوق والكلب يشدني من ذيل فستاني




تفرجت على صور أحمد وزوجته وطفلهما الصغير واستغربت كيف يهاجرون ويتركون الوطن ولهم آباء وأمهات كبار في السن يتركونهم للوحده والمرض؟!!!

لم يهاجر؟؟! ولديهم هذه المزرعه ، وهذا البيت ،وهذان الابوان؟ ولكني قلت على رأي الشاعر: لعلّ لها عذر وأنت تلوم
في نفس الصندوق كان هناك شيء ملفوف بورقة صحيفة قديمة فتحته عمتي وقالت : هذه قطعة قماش من المخمل الأزرق عمرها تسع سنوات وهي صناعة ألمانية فاخرة خذيها لكِ يا قمرية ، رمت عمتي قطعه الصحيفة لكن لفت نظري عنوان كبير قالتقطت الورقة لأقرأ وبصوتٍ عالٍ :

العرب يعقدون مؤتمر سلام مع إسرائيل في مؤتمر مدريد
عقد في مدريد في إسبانيا في تشرين الثاني عام 1991، مؤتمر سلام بين العرب واسرائيل وشمل مفاوضات سلام ثنائية بين إسرائيل وكل من سوريا، لبنان، الأردن والفلسطينييين ، وكانت محادثات ثنائية تجري بين أطراف النزاع العربية وأخرى متعددة الأطراف تبحث المواضيع التي يتطلب حلها تعاون كل الأطراف
وقد تمّ التأكيد أن المؤتمر سيعقد على أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام” وقرارات مجلس الأمن 242 و338 و425
عقد المؤتمر بمبادرة من الرئيس الأمريكي جورج بوش تحت رعاية كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي
قالت عمتي: هذا الكلام مر عليه تسع سنوات ولكن أين هو السلام؟ وهم يقتلون الفلسطينيين بدم بارد ؟! اليوم رأيت في
الأخبار منظرا تشيب له الولدان ؛ مقتل الطفل محمد الدرة برصاص الاحتلال.

وكالعادة جاءت أرنوبة وجدتها وشقيقتها للسهر عندنا، ألتقى الكبار للحديث ونحن الثلاثة واصلنا مشاهدة برامج الرسوم المتحركة؛ فلم تعد بنا طاقة للعب حتى نعسنا وذهبنا للنوم .
وفي اليوم التالي ذهبت إلى صندوق البريد لاستلام رسالة من ابن عمتي تحوي صورا جديدة له ولعائلته




مر الأسبوعان بسرعة ، ودّعت عمتي وزوجها ،وعدت إلى العاصمة حيث أخي رمزي والجامعة والعمل ،ولكن نسائم الخريف ما زالت عالقة بذاكرتي



الأحد، 12 يونيو 2011

زيارة ثالثة لبيت عمتي






عدت إلى المدينة وفوراً قمت بإجراءات بيع البيت وقطعة الارض اللتين ورثتهما عن والدي ،وسددت ديون أخي رمزي وتبقى معي مبلغ من المال فاشترينا مخزناً صغيراً في الضواحي ، وافتتحنا متجراً صغيراً لبيع الهواتف الخليوية ، كما استاجرنا منزلاً صغيراً جداً بأجرٍ مناسب
أخي رمزي كان يعمل بالمتجر حتى المساء
بينما تابعت دوامي بشركة الإلكترونيات ولكن على فترتين ؛ لنتمكن من تجاوز عثرتنا المالية ،حين أنتهى الصيف فقررت أن اتابع دراستي الجامعية بتشجيع من عمتي ؛ التي تبرعت هي وزوجها بدفع رسومي الجامعية على أن أتكفل أنا بالمصاريف العادية
التحقت بكلية الهندسة لدراسة الحاسوب ، ثم تقدمت بطلب منحة من الجامعة التي وافقت ، وبذلك أرحت عمتي من عناء دفع رسومي الجامعية

مرت سنة كاملة لم أزر فيها عمتي ؛ لأني مشغولة جداً جداً بالعمل والدراسة.



سأحدثكم عن كريم




كريم زميلي بالعمل مهندس متخرج منذ سنوات وهو نشيط وله حضور جميل . حدث بيننا أعجاب متبادل .
حدثت أخي رمزي و عمتي وزوجها عنه وأخبرتهم بانه سيتقدم لخطبتي فرحبوا بالموضوع ،ولكن على شرط أن يستفسروا عنه وعن عائلته ، وبعد ذلك تمت خطوبتنا في جو عائلي بهيج
وعشنا أجمل الايام والشهور ؛كنا نذهب للبحر كثيراً نشرب قهوتنا ،ونصطاد الأسماك ونتحدث في شؤون المستقبل
بعد شهور انتقل كريم من المكتب المشترك للعمل في خدمة الزبائن مباشرة ، كنت أرقبه من وراء الزجاج وهو يتحدث مع فتيات جميلات ، فكنت أشعر بالغيرة ولكني كتمت غيرتي . شعرت بكريم يهملني ويتجاهلني كثيراً ورأيته يضحك كثيرا مع سيدة كبيرة بالعمر عرفت من الزملاء انها أرملةغنية جداً
اصبح كريم يتهمني باني أهمله وأني اهتم بزميلي أدونيس ، فعرفت أنها ذريعه للفراق فلم أفعل شيئا إلا أني نزعت خاتم الخطوبة وأعطيته له رغم أن قلبي كان يتمزق قلت سأريحه من اختلاق الأعذار ومني ؛فقد غدوت عثرة في طريق مستقبله فأنا في النهاية فتاة فقيرة

وأفترقنا بعد شهور الخطبة الجميلة ولم يمض أسبوعان إلا وقد تزوج من تلك الارملة الغنية






كان الشتاء على الابواب فتقدمت بطلب نقل إلى فرع آخر من فروع االشركة في المدينة قريباً من الجامعة ؛وبذلك أكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد ؛ أبتعد عن كريم والذكريات ،وأقترب من الجامعة ،ولكن قبل ذلك تقدمت بطلب إجازة اسبوعين فقط لأزور عمتي فقد أشتقت إليها كثيرا ،وبالطبع أخبرت صديقتي أرنوبة بذلك , و
سافرت أنا ورمزي إلى بيت عمتي التي استقبلتنا بترحاب لا مثيل له

في اليوم التالي رافقني رمزي إلى جوار البحيرة حيث كانت الثلوج تغمر التلة القريبة والجليد يغري بالتزلج رغم بزوغ شمس ناعمة وانتشار غيمات ملونة بالضوء في الأفق الغربي،طبعا رافقتنا الأرنوبة كعادتها
أرنوبة بملابسها الجميلة تبحث عن زهور الجليد وتقول شعرا لوليام ووردزويرث:

كنتُ أهيم ُ وحيدا ً كسحابة
تحلق ُ فوقَ التلالِ والأودية
عندما فجأة وجدت ُ جماعة
من زهور النرجسِ الذهبية
جوار البحيرة وتحت الشجر
تغنى مع النسيم ِ وتراقص الوتر



تزلجنا على الجليد وقد ذكرني رمزي بقصة مزحة لتشيكوف حين كانت ناديا تتزلج على الجليد وكان أحدهم يمازحها فيقول لها حين تمر الريح أحبك يا ناديا
كان رمزي يصرخ بصوت عال : أحبك يا قمرية فنضحك معاً
ضحكنا كثيراً، ولكن أرنوبة همست باذني: يا قمرية رغم الضحكات ، فانا ألمح حزنا عميقا بعينيكِ . ما الحكاية؟ لم أخبرها بشيء، لكن رمزي قال لها الحكاية فضمتني إليها قائلة: أسمعي يا قمرية كريم لا يستحقك أبداً. أنتِ صغيرة وعليكِ أن تكملي دراستك أولا وتعتمدي على نفسك وبعدها فكري بالزواج


لأول مرة أشعر بأن أرنوبة أعقل مني



قالت لي أرنوبة يا قمرية أنا لن أكبر أبدا فأنا أكره عالمكم عالم الكبار
قلت لها : وكيف ذلك؟
قالت سأختبيء من طريق الأعمار على رأي السيدة فيروز
قلت لها: فكرة جميلة يا أرنوبة لقد ذكرتني بأوسكار بطل رواية الطبلة الصفيح للروائي الالماني غونتر غراس

أوسكار"، ذلك الطفل المعاق الذي يرفض النمو ليكون شاهداً على تاريخ لن ينسى، هذا الطفل أراد أن لا يكبر، وظلت مداركه مدارك ولد يافع غير مكتمل النضوج، بعدما شاهد من أحد الشقوق وهو داخل مبنى قديم يمارس فيه هواية القرع على الطبلة، شاهد ثلة من الجنود يقتلون بعض الناس








قلت أنا: أرنوبة حينما تجدين ذلك العالم الذي لا يكبر فيه الصغار أخبريني ، لأني أيضا أود أن أبقى دون العشرين.

رن تلفون أرنوبة كانت جدتها تدعونا جميعا لتناول طعام الغداء ، فذهبنا فورا ووجدنا هناك عمتي وزوجها ،ومأدبة شهية من السمك المشوي والسلطات
سهرنا جميعاً كان الكبار يتحدثون عن ذكرياتهم ؛وكيف كانت الدنيا كلها بركة بينما كنا نستمع اليهم جيداً
قالت عمتي: كل عام وأنتم بخير فغداً يوم جديد في السنة الميلادية ، نتمناه عاماً سعيداً لكل العالم



نظرت من النافذة كانت تمطر ومن خلف الأشجار العارية الأغصان ترفرف أضواء شاحبة قلت لنفسي سيرحل الشتاء ويأتي الربيع وتورق الأغصان

الأربعاء، 8 يونيو 2011

زيارة ثانية لبيت عمتي





هل تذكروني وصديقتي أرنوبة وزيارتي الأولى لبيت عمتي قبل عام؟
أصبحت الآن في الثامنةعشرة من عمري ونجحت بتفوق في الثانوية العامة .
قلت لأبي ساؤجل الالتحاق بالجامعة سنة كاملة وساعمل حالياً وذلك لأمنح نفسي فرصة لاختيار التخصص الذي أريد وإن كنت أفكر حالياً في دراسة نظم معلومات الحاسوب
لم يمانع والدي قراري وقال : وفقك الله يا بنية . أنا واثق برجاحة عقلك .
اخترت العمل في شركة الكترونيات براتب بسيط جداً وذلك لأطلع على طبيعة العمل ؛ بصراحة اخترت هذا العمل بالذات لحسم قراري بالنسبة لدراسة نظم الحاسوب
ولكن الفرحة لم تكتمل إذ أصابت والدي نوبة قلبية قضت عليه تماماً فاضحيت يتيمة الأبوين وليس لدي الا أخي رمزي
أها !
لم أحدثكم عن أخي رمزي سابقاً
شاب في الثلاثين يدير مصنعاً صغيراً للنسيج ورثه والدي عن والده
درس دبلوم الإدراة واكتفى بذلك ،وحين توفي والدنا تقاسمنا التركة وللذكر مثل حظ الأنثيين . كان المصنع من نصيب رمزي بينما حصلت أنا على المنزل وقطعة أرض صغيرة
في الشتاء قالت لي عمتي : خذي إجاز ة وتعالي للريف فهنا الجو أفضل ،وهناك أيام مشمسة
عمتي تسكن في منطقة ريفية قريبة من البحر
لبيت دعوة عمتي ، واتصلت بأرنوبة صديقتي وقلت لها:
الآن عطلتك الشتائية تعالي هناك عند جدتك ؛وسنقضي وقتاً لطيفاً
سمعت صوتها وجلبتها وهي تحدث أمها بفرح بأنها ستلتقي القمرية. فابتسم قلبي ،فرحت بأرنوبة وشعرت بالدفء يغمر قلبي.










حزمت الأمتعة وأوصلني رمزي لمحطة القطار ،وفي الطريق كنت أسرح ناظري في المناظر الطبيعية الشتائية ، ثمة ثلوج على قمة ذاك الجبل ، وبعد ساعة هناك أشجار عارية كثيرة ، وغربان تحوم في الفضاء . أستلقيت في مقعدي وبيدي كتاب لإليزابيث الليندي اسمه مدينة البهائم كنت أتسلى بقراءته .
كنت أسرق لحظات من القراءة وأتمتع بالطبيعة الجميلة رغم قسوة البرد
وبعد ست ساعات وصلنا المكان المقصود ، واستقبلتني عمتي وزوجها بترحاب وكرم لا نظير لهما
قلت لعمتي غداً ستاتي أرنوبة وسنلتقي
قالت عمتي : نامي ،إن غداً لناظره قريب.
نمت براحة عميقة ، وفي الصباح هرعت نحو النافذة أنظر لبيت جدة أرنوبة
وأخيراً وصلت أرنوبة . هاهي بردائها الجميل وبضحكتها الطفولية الجميلة ، رأتني الشقية من النافذة فهرعت إليَّ ، فالتقيتها على الباب واحتضنتها بشوق كبير.
قضيت بصحبة أرنوبة أجمل الأيام



ذهبنا لنتعلم الصيد ولكننا أخفقنا فجعلنا نجمع الأصداف ولعبنا ألعابا شعبية تعلمتها أرنوبة من رفاقها في المدرسة ، وفي الأمسيات الباردة كنا نشرب النسكافية بالحليب وننشغل أنا أعزف على الجيتار وقد رجتني كثيرا أن أعلمها ذلك فقلت لها :اسمعي يا ارنوبة أنت كثيرة القفز والحركة والعزف يحتاج إلى تركيز ، كانت أرنوبة ترسم رسومات جميلة تريها لجدتها وعمتي فتبتسمان،
قالت جدتها : أرنوبة ابقي هادئة ، أنت كثيرة الحركة .
رأيت علامات غضب على وجه أرنوبه فاحتضنتها وضحكت وقلت لها : تعالي معي لاقص عليك قصة جديدة
أرنوبة صديقة لطيفة لا مثيل لها رغم انها تصغرني بسبع سنوات
ردت أرنوبة : لا أريد قصة يا قمرية بل أريد أن أعرف لم تلقبين بالقمرية حتى نسي الجميع اسمك الأصلي؟!
قلت لها :لذلك حديث طويل يا صديقتي ؛ توفيت أمي وأنا ابنة خمس ، وحين سألتهم عنها، قالوا : هي فوق في السماء ، وحين كنت أنظر للسماء باحثة عنها لم أر أجمل من القمر ، فقلت لنفسي بأن أمي هناك بجانبه وقد تكون نجمة مضيئة .
آه يا أرنوبة ، كنت أنتظر القمر بلهفة كبيرة ، وحين يغيب تصيبني كآبة
يا أرنوبة كان لأمي وجه كالقمر ما زلت اذكره رغم مرور وقت طويل على غيابها. ساكمل لك الحكاية
وفي ليلة شتائية وكان البرد شديداً ، والريح شمالية باردة ،نظرت للقمر رأيته شاحباً ، فقلت في نفسي : أنه يشعر بالبرد فتركتي له كنزتي الشتوية ليتدفأ بها ،وذهبت للنوم وغفوت لأصحو باكرا وأتاكد أن الأمانه وصلته مع الريح .
وفي الصباح حين خرجت لم أجد الكنزة ،فتأكدت أن الريح أرسلتها للقمر.
وأنا اتناول أفطاري حدثت أبي وجدتي عن ذلك فسخروا مني وقالوا : قمرية.



كانت أرنوبة تضحك كثيرا وتجري بخفة وسرعه أكثر مني.
مر أسبوع وفي عصر ذات يوم ؛ بينما كنت مع أرنوبة جاءني هاتف من أخي رمزي
قال: أنا في ورطة خسرت المصنع كل ما أملك وبعت المصنع ، وهناك شيكات بدون رصيد وقد أدخل السجن
فرت دمعه من عني حاولت أن أخبئها عن أرنوبة شعرت بالخوف والقلق على أخي ، ولكنها ذكية لماحة الحت علي فأخبرتها
عدت لمنزل عمتي وجمعت أمتعتي وقفلت عائدة إلى بيتي الذي لن يصبح بيتي بعد اليوم
قررت أن أبيع ممتلكاتي لأنقذ رمزي من السجن فما فائدة المال أن خسرت أخي
إنها ضريبة الدم






الأربعاء، 1 يونيو 2011

الزيارة الأولى لبيت عمتي



لا زلت أذكر ذلك المساء حين هاتفتني عمتي لأزورها في عطلة الربيع , كنت آنذاك في السابعه عشرة من عمري ،

المهم انتظرت الأيام بشغف حتى جاء هذا اليوم

وبعد انتهاء امتحانات الفصل الدراسي الأول شددت أمتعتي وتوجهت نحو بيت عمتي في الريف

التي استقبلتني بكل محبة هي وزوجها


الجمال هناك يطغى على كل شيء



السماء الصافية والأشجار الربيعية الجميلة بأزهارها الملونة ، والطرقات المزينة بالورود ، والغيوم التي تشبة الصوف الابيض المنفوش
في الصباح كنت أمد يدي من النافذة لأقطف الفراشات والورود




وهناك تعرفت على أرنوبة التي كانت تزور جدتها في الريف
كانت أرنوبة أصغر مني بكثير فهي في العاشرة من عمرها فقط ، بينما كنت أنا في نهاية المرحلة الثانوية

تصادقنا أنا وأرنوبة بعد أن تآلفت أرواحنا سريعا ، فهي بسيطة ومحبة للحياة وهناك صفات كثيرة تجمعنا .

كنا نصحو باكرا نتجول في الريف الجميل ؛ نقطف الزهور بألوانها الخلابة من الحقول ونلعب بأن تختبيء إحدانا عن الاخرى وراء الأشجار

ونطير الطيارات الورقية حين تهب الرياح وننصب الأراجيح نتأرجح عليها متخيلات بأننا نجلس فوق قوس قزح

التقطنا صورا كثيرة أنا وأرنوبة وهاهي الصور










على فكرة لا تصدقوا الشائعات ؛ فما يشاع عن الأرانب أنها جبانة ، ولكن أرنوبة لم تكن جبانة ولا حمقاء ؛ بل قوية القلب شجاعة

اقصد لا تعمموا الأحكام فهذا يؤدي إلى خلل في المنطق

ولكن هناك في الحوض المائي في القرية كانت ثمة ضفادع تنق نقيقا مزعجاً ويسمعها الكل كانت تشتم فتاة هناك تسكن بجوار عمتي أسمها الشيماء ، والشيماء لها من اسمها نصيب

والضفادع تشتم وتلعن الشيماء التي بقيت ساكته

قالت أرنوبة:

يا شيماء لا أجد تفسيرا لسكوتك هذا

ضحكت الشيماء وقالت :

هذه الضفادع تكرهني يا أرنوبة وبدون سبب ولو أقسمت لها الف مرة بأنني محبة صادقة ، لما صدقت لأنها لا تتخيل إلا وجود الشر في الناس ، حتى لو صدقتني فلن تعترف بذلك ؛ فلم اضيع وأهدر وقتي عبثا في إقناعها بشيء فطالب الحق يكفيه دليل اما طالب الهوى فلا يكفيه الف دليل؟!!

آها ما زلت صغيرة يا عزيزتي أرنوبة ولا تفهمين كيف يفكر بعض الناس.

أولم تسمعي قول الشاعر العربي:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا



قالت الشيماء والآن دعكن من كل هذا ولنستمتع بوقتنا


قامت الشيماء بعزف مقطوعه موسيقية على الكمان ، فتخيلتها تطير وهي تعزف

وتعلقت أرنوبة بها وقالت لها:

اعزفي أيضا يا شيماء ؛ فقد أزعجني صوت النقيق ودعينا ننعم بالجمال



ذات مساء جاءت ارنوبة برفقة جدتها لزيارتنا انا وعمتي

سالتني عمتي الا تتعبين انت وارنوبة من التجوال هنا وهناك؟!

قلت لها: لا ياعمتي فارنوبة صديقة لطيفة جدا ونحن نتشاطر حب الجمال

جلست عمتي مع جدة ارنوبة يتناولن القهوة

بينما بدا الجو باردا في الخارج وقد اغلقت عمتي مصاريع النوافذ جيدا وقالت الجده: سمعت بالنشرة الجوية ان هناك منخفض جوي آت قريبا وستثلج باذن الله



طلبت مني أرنوبة أن أقصَّ عليها قصة



فامسكت كتاب الشعر القصصي لأحمد شوقي و قرأت لها حكاية الأسد والضفدع:

قالوا اِستَوى اللَيثُ عَلى عَرشِهِ فَجيءَ في المَجلِسِ بِالضِفدَعِ
وَقيلَ لِلسُلطانِ هَذي الَّتي بِالأَمسِ آذَت عالِيَ المسمَعِ
تُنَقنِقُ الدَهرَ بِلا عِلَّةٍ وَتَدَّعي في الماءِ ما تَدَّعي
فَانظُر إِلَيكَ الأَمرُ في ذَنبِها وَمُر نُعَلِّقُها مِنَ الأَربَعِ
فَنَهَضَ الفيلُ وَزيرُ العُلا وَقالَ يا ذا الشَرَفِ الأَرفَعِ
لا خَيرَ في المُلكِ وَفي عِزِّهِ إِن ضاقَ جاهُ اللَيثِ بِالضِفدَعِ
فَكَتَبَ اللَيثُ أَماناً لَها وَزادَ أَن جادَ بِمُستَنقع

ابتسمت أرنوبة حين سمعت القصة ، وقالت الآن فهمت لم لا ترد الشيماء على نقيق الضفادع .

وفي اليوم التالي تغيرت حاله الطقس فهطلت الثلوج
فقررت أن أعود أدراجي ، فقد اشتقت كثيرا لبيتنا ولأبي خصوصا

ودعتني أرنوبة التي سافرت هي بدورها الى مدينتها وتواعدنا على اللقاء في الربيع القادم