الاثنين، 4 يوليو، 2011

رحابة عالم النور قراءة نقدية لقصة الرداء المستعار بقلم أنور الزعيري




يعمد القاص او الشاعر الى محاولة تفكيك ا لعالم أو تفسيره ، انه يحاول ان يختزل قصة البشريه (لإعادة الفهم ) ويعيد انتاج عشرة الاف فيلسوف فى سطر واحد ،واحيانا تحاول الفلسفة ان تفسر العالم (الوجود ـ البشرـ الاحداث ) وأحيانا تمارس دورا عبثيا لتوجيه العالم فينتج عن ذلك الكوارث وتولد المحن والاعاصير ويضيع خيرها الفطرى فى شرها المتراكم ، والاديب نسخة اخرى من الفيلسوف ، ولكنه أكثر جمالا وإشراقا ، وهو لايعيد اخطاء الفلسفة فى صناعة الحياة ،ولكنه يصورها( ناقدا أو ساخرا أو متفجعا ) وهو مثل الواعظ يحاول ان يقومها بكلمة ،ويرفع عن القبح أقنعته الكثيرة ليتركه عاريا ، ان تعرية القبح والرذيلة والقسوة والظلم المقنن ، تساوى كشف شيطان فى ميدان عام ، ليفر عنه الناس فى كل إتجاه ،والقبح لا يحتمل ان يشار إليه دائما بصفته ، وهو هارب من هذه الصفة لا يكف عن الهرب ،ولا زالت لعنته الابدية بين يديه أينما حل فهو يغدو ويروح فى لعنة من الله ولعنة من الناس





والعالم الارضى ليس مستقر الملائكة إنه نسخة مخففة من الجحيم ،ولعلنى استعير تعبير سارتر (الجحيم هو الاخرون ) او بوح سيد قطب فى بكائيته على هذا العالم الذى هو (لعنة، لعنة كالتى تتحدث عنها الاساطير )وما على الاديب إلا ان يسجل هذه اللعنة فى دفاتره ، وهى تغدو وتروح ، وهو يسجلها فى بيتها ونومها ـومرقصها ـ وعملها الموبوء ، وان هذا التسجيل لهو الادانة الواضحة التى ينقلها التاريخ فى عربته الزمنية ، الى اجيال لا تنتهى ،لكن الذى تفعله بسمة القمرية شئ اكثر جدية من عمل التاريخ وعربته ، حيث تعيدنا الى تراث ابن المقفع فى كليله ودمنه ، وهى نقلة بعيده حيث عالم اللا معقول ، والجمادات والحيوانات هنا عاقله ، والخير هناك واضح بصفته والشر كذلك ، وهذا النوع من القص يستهوى الكبير كما يستهوى الصغير وهنا تكمن (ضربة المعلم) كما يقول العامة فى مصر فتصطاد القمرية عصفورين بحجر واحد ، وبسمة تكشف للأطفال عالم القبح ، وكأنها تدربهم على مواجهة مستقبل يحكمه اللصوص والخونة ، إن الكتابة للأطفال من اصعب انواع الكتابة ، لأنها محاولة افهام عقل لم يتكون بعد ،وعقل الطفل فى الغالب لا يحتمل الصراحة التى نلقيها فى وجوه بعضنا لبعض ، ولكن الطفل يبهره ذلك العالم الغرائبى المبهر ، ومن جحر الفأر الصغير الى عقل الطفل الصغير تصل الرسالة .


ولا نعرف أصنعت بسمة قصتها للصغار أم للكبار ولكن الذى نعرفه انها حققت المطلوب من حيث تدرى أو لا تدرى لقطات عابرة لا استطيع أن احلل كل ما ورد فى قصة الرداء الاحمر لأن الوقت لا يحتمل ، والقارئ فى العادة على عجلة من أمره ولكن بين يدى لقطات عابرة تكشف عما وراءها


لقطة أولى :إن طفلة القمريه تريد رداء احمر كما فى قصة ليلى والذئب ، وظنى فى هذا إنه اسقاط واضح يكشف لنا ان الفارة الصغيرة تمارس دور الذئب على بعد ما بينهما فى الطبيعة ، ولا يلزم ان يكون الذئب الذى يغتالنا ذئبا على الحقيقة فقد يكون فأرة بائسة أو رجلا أو أمراة أودولة لكنه فى النهاية يمارس الذئبية ويقف منا موقف الوحش من الضحية


لقطة ثانية:إن الحاح الفأرة الصغيرة درس فى ذلك المتملق المتمسكن الذى يسعى الى غايته الخبيثة باستخدام نقاط الضعف فينفذ الينا من ضعفنا وإشفاقنا ، أو ذلك الذى يخاطب فينا الفضيلة ليصل الى رذيلته وأهواء نفسه ، ثم أضافت (أه لو كان والدي الفار يعمل بوظيفة تدر دخلا جيدا لاشترى لي مثله هنا يتضح إستخدام المأساة كوسيلة لإستدرار المنفعة ، إنها تشكو هولوكست الفقر لتحلب البقرة إلى أخر قطرة فيها، كما يصنع أصحاب خرافة الهولوكست


لقطة ثالثة:لاحظ ذلك التهرب وتلك المماطلة التى تمارسها الفأرة الكبيرة والصغيرة ، كأنه إسقاط أخر على جيراننا المغتصبين ، ولقد إنصرم ربع قرن أوكاد ، ونحن نلهث وراءهم فى المحافل الدولية لننال غرفة فى بيتنا الضائع


لقطة رابعة(من نافذة بيتهم أطلت الفأرة الصغيرة وقالت لطفلتي القمرية وهي خارجة: أيتهاالطفلة القمرية حافظي على الرداء فأنا أريد لبسه بعد يومين عندي زيارة ، أطل طفل صغيررأسه من نافذة بيته وقال لطفلتي ألا تخجلين من نفسك طفلة قمرية وتستعيرين ملابس الفأرة !(أهو شراك صنعته تلك الخبيثة الصغيرة ام هو القدر المحض ،وفى النهاية يبدو الشر كأنه يستغل كل المصادفات ليصنع منها أحلامه


لقطة خامسة(بكت طفلتى والقت الرداء جانبا فى الطريق …) أعجبتنى هذه اللقطة لأنها تكاد ان تمثل عقل الاطفال على ماهو عليه ، خصوصا عندما يكونوا نزقين يشعرون برفعتهم على غيرهم ، وتظهرطبيعة الفأرة الخبيثة =( الدولة ـ المرأة ـ الرجل) حين تستغل الحدث السئ لصالحها ( إنظر الفأرة ألامريكية وقضية إحتلال الكويت )


لقطة سادسة انه المشهد الختامى حينما تفهم القمرية اللعبة ، وترفض ان تقع فيها مرة ثانية وأحسنت بسمة حينما إختارت هذا البيت من الشعر الذى يعبر بإختصار جميل عن القصة بكاملها






وماذا بعد اللقطات إختارت بسمة لغة سهلة غير التى تمارسها فى تعليقاتها احيانا وليس فيها تعقيد لغة جبال الأولمب ، وبلاغة لغة طرفة بن العبد السماوية ، وذلك ما يشجعنى على القول على أنها تكتب للصغار والكبار ، لم تعد بسمة تسرق الاحلام من الهة الليل كما تقول ، أنها تأخذها الان عن طيب خاطر ، فهى تمنح الناس شيئا من الهدوء فى هذا الصخب الكبير ، كأنها محاولة يائسة لإنشاء عالم من الموسيقى وبضع قصص اخرى وتولد مجموعة بسمة الاولى لتصنع ثقبا فى جدار اليأس ، تنظر منه الىرحابة عالم النور