الخميس، 12 سبتمبر، 2013

عزة النفس والقاضي الجرجاني

 
 
طوال حياتي لم اصفق لشيء ابدا
وربما يكون هذا عيبا في بعض الاحايين؛ فالتصفيق له ادوار كثيرة  وبعضها ضروري ؛هناك من يصفق طربا او عجبا او نفاقا او ….
ولكن الله لم يرزقني تلك الموهبة ؛ موهبة التصفيق
وحين أقرأ لبعض الشعراء ويعجبني قولهم بشدة يكون اعجابي داخليا بل ليس بتصفيق انما هو شعور بالسرور والراحة والبهجة يسري في قلبي ويثلج صدري فابتسم واجلس وحدي لاستعيد ما اعجبني
واحيانا حين اتناقش مع ممن يحبون الشعر والادب على شاكلتي احدثهم باعجابي بما قرات
هذا الشعور راودني حين قرات للدكتور طه حسين مؤلفاته الرائعة خصوصا الوعد الحق والأيام وبعدها روايته الشهيرة دعاء الكروان ثم لحقتها لسلسة قراءات وما زلت استعد لقراءة حديث الاربعاء

امس قرأت ابياتا لشاعر قديم اسمه القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني فشعرت بهذا الشعور الذي حدثتكم عنه شعور بالراحة والسكينة والهدوء والانشراح والبهجة الداخليين لذا ساكتب لكم الابيات التي عبر بها الشاعر عن  عزة نفسه التي قل نظيرها بين الكثير من الادباء والعلماء
يقول هذا الشاعر الذي لا ادري بم اصفه ؟ لاني ان وصفته بالروعة ظلمته :
 
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما     رأوا رجلاً عن موقفِ الذلِّ أحجما
أرى الناسَ من داناهُمُ هان عندهم     ومن أكرَمته عزةُ النفسِ أكرِما
ولم أقضِ حَقَّ العلمِ إن كان كُلَّمَا              بدا طَمَعٌ صَيَّرتُه لي سُلَّما

وما زلتُ مُنحازاً بعرضيَ جانباً            من الذلِّ أعتدُّ الصيانةَ مَغنما

إذا قيلَ هذا مَنهلٌ قلتُ قد أرى            ولكنَّ نفسَ الحرِّ تَحتَملَ الظَّمَا
وما كلُّ برقٍ لاحَ لي يستفزُّني       ولا كلُّ من في الأرضِ أرضاه مُنَعَّما 
ولو أن أهل العلمِ صانوه صانَهُم         ولو عَظَّمُوه في النفوسِ لَعُظِّما
ولكن أهانوه فهانو ودَنَّسُوا                 مُحَيَّاه بالأطماعِ حتى تَجهَّما


 

الخميس، 5 سبتمبر، 2013

موت الغريب






امرؤالقيس زارني أمس  في الحلم ،هو لا يفتأ يزورني وانا لا أفتأ أحلم به،
ما الحكاية؟! ربما نرجسية بداخلي لا تحلم الا بأمير حقيقي وأمير للشعر أيضا،
 رأيته يحتضر ؛ كان في رمقه الأخير وقال لي: اسنديني يا قمرية
كان هناك في البر حمامة قُمرية
فقال :قمريتان  أنتِ وتلك الحمامة البرية


أسندته وسقيته ماء
كنا في الجاهلية قبل بزوغ نور الإسلام
قلت له: لم يقتلك إلا حرصك على المٌلك.... دفعت حياتك ثمناً لهذا الكرسي
جريت وراء الغريب للتحالف ضد قومك ولتستعيد عرش أبيك المسلوب
لا لا ....تقنعني بحكاية الثأر تلك ... أنت طامع بالكرسي  تريد أن ترث الحكم فقط لا غير
إيهِ..... يا صديقي الضليل، أنت مجنون حتى وأنت تسعى وراء عرش أبيك المسلوب لم تتخلى عن عادتك السيئة في الجري وراء نزواتك ،فأخذت تتغزل بابنة القيصر أمام هذا وذاك

قال لي: بل أخت القيصر يا قمرية.
قلت له: لا يهم المهم أنك لم تعتق أحدا ،حتى أخت القيصر أيها الضليل، هل أردت أن تضرب عصفورين بحجر واحد ،تحقق مصلحتك  وتمارس دور الدونجوان
قال لي الضليل: كانت أياما في الجنة يا قمرية؟؟ قلت له: وها أنت على شفا حفرة من الموت أيها الضليل.
أيها الضليل، كنت تنوي قتل قومك بسيف القيصر
وها أنت تموت وحيدا في أرض الغربة بعباءة مسمومة بسبب حماقتك  لا يجاورك إلا قمريتان : امرأة وحمامة
قال لي: اقصري اللوم يا قمرية فلست وحدي من يفعل ذلك.
قلت له : آه لو تعلم ماذا جرى ويجري في ألفيتنا الثالثة ؛ رصاص حكامنا لم يعد يوجه لصدر العدو بل لصدورنا نحن شعوبهم المغلوبة.
لم توجه رصاصة واحدة للعدو بل للرعية
لقد عدنا لزمن الجاهلية واصبحا أكثر منك ضلالا   ، تعال واسمع مني هذه القصيدة كتبها أمل دنقل:

قلت لكم مرارا

إن الطوابير التي تمر..
في استعراض عيد الفطر والجلاء
(فتهتف النساء في النوافذ انبهارا)
لا تصنع انتصارا.
......إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى
لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء.
إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكسرة والدواء
لا تقتل الأعداء
لكنها تقتلنا.. إذا رفعنا صوتنا جهارا
تقتلنا، وتقتل الصغارا




سمع الضليل المقطع  فرأيت علامات المرارة تعلو وجهه فقال : يا قمرية هاتي دواة وقرطاساً واكتبي ما
سأمليه عليكِ :
أجـارتنا إنّ الخطوبَ تنوبُ              وأنـي مقيـمٌ ماأقـامَ عسيـبُ
أجارتنا انّا غريبان هاهنــا             وكـلُّ غريبٍ للغريـبِ نسيبُ
فإن تصلينا فالقرابةُ بيننا          وإن تصرمينا فالغريبُ غريبُ
أجارتنا مافاتَ ليس يؤؤبُ          وماهو آتٍ في الزمانِ قريبُ
وليسَ غريباً من تناءتْ ديارُهُ     ولكنْ من وارى الترابَ غريبُ


وكانت هذه آخر كلماته ،ثم وسدناه الثرى ،ولكنه بقي حياً في خيالي
يصحو قبل طلوع الفجر ليركب حصانه القوي  الجميل الذي وصفه قائلا:

وَقَـدْ أغْــتَـدِي والــطَّـيْـرُ فِـي وُكُـنَــاتِـهَا                بِــمُــنْــجَــرِدٍ قَــيْـــدِ الأَوَابِــدِ هَــيْــكَــلِ
مِــكَــرٍّ مِــفَــرٍّ مُــقْــبِــلٍ مُــدْبِــرٍ مَــعــاً                  كَــجُلْـمُوْدِ صَـخْرٍ حَطَّهُ السَّـيْلُ مِنْ عَلِ
كَـمَـيْـتٍ يَـزِلُّ الـلَّـبْـدُ عَـنْ حَـالِ مَــتْــنِـهِ               كَــمَــا زَلَّــتِ الـصَّـفْــوَاءُ بِــالــمُـتَـنَـزَّلِ
مِـسِـحٍّ إِذَا مَـا الـسَّـابِـحَـاتُ عَـلَى الوَنىَ               ثَــرْنَ الـغُــبَــارَ بِــالـكَــدِيْــدِ الــمَــرَكَّلِ
عَـلَـى الـعـقـد جَـيَّـاشٍ كــأنَّ اهْـتِــزَامَـهُ             ذَا جَـاشَ فِـيْــهِ حَـمْــيُـهُ غَـلْـيُ مِـرْجَلِ

الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

تك تك يا ام سليمان

 
في ضحى يوم امس مررت بتلك القرية ومن نفس الحي الذي تسكنه ام سليمان جارتنا القديمة
لمحتها من شباك السيارة كانت تجلس تتشمس  في ساحة ببيتهم الذي رحلوا اليه في مكان آخر.. عجوز كبيرة بالعمر
كانت دافئة القلب واللسان وزوجها كان دائم التنقل بين الجيران والدكاكين حتى انها لا تعرف اين هو بالتحديد لو طرأ في بيتهم طاريء
ساحدثكم عن شيء غريب .. كان بيننا وبينهم سياج من أشجار العنبر الشائكة هو بمثابة جدار عازل.. كنا لا نخالطهم الا بقدر بسيط
كانوا فقراء مع انهم يملكون قطعة ارض يزرعونها  وكان لهم طريقة بالحياة تختلف عنا نحن فلم يكونوا متأنقين ولا يهتمون برأي الناس في طريقة حياتهم ولا يعلمون اولادهم ولكنهم كانوا اناسا مسالمين طيبين ... كانوا  أبناء الحياة بعفويتها وصدقها
 
 كان عمي يستقبل رجالا كثيرين ويدعوهم لتناول الغداء  وحين ينتهون تكلفني جدتي بارسال الطعام لبيت ام سليمان
 التي كانت تحضنني واشعر كم هي امرأة جميلة رغم اسنانها الدهبية ووجهها الاسمر وشعرها المجعد
وكان بيتها نظيفا جدا ومرتبا وكنت احسد اولادها كثيرا واتمنى لو كنت بنتا لام سليمان واترك بيتنا وكل التعاليم المتزمته التي نلتزم بها
ولكني بعد ان اصبحت في سن المراهقة لم اعد احسدهم ولم اعد اتمنى ذلك لاني رايتهم يزوجون بناتهم باكرا ويذبلن قبل الاوان مع ازواج ليس فيهم شيء من الذوق
اليوم وبعد عشر سنوات رايت ام سليمان ... وكنت ساصرخ من شباك السيارة : احبك يا ام سليمان ولكني خجلت 
 
هنا اصرخ عاليا احبك يا ام سليمان 
اما ابو سليمان فلا ادري انا وقد لا تدري هي اين يكون